السرخسي
19
أصول السرخسي
ولو اشتهر الناسخ لما أجمعوا على العمل بخلافه ، فبهذا الطريق تنتفي المعارضة وكما ينتفي التعارض بدليل الاجماع يثبت التعارض بدليل الاجماع فإن النبي عليه السلام سئل عن ميراث العمة والخالة فقال : لا شئ لهما وقال : الخال وارث من لا وارث له فمن حيث الظاهر لا تعارض بين الحديثين ، لان كل واحد منهما في محل آخر ولكن ثبت بإجماع الناس أنه لا فرق بين الخال والخالة والعمة في صفة الوراثة ، فباعتبار هذا الاجماع يقع التعارض بين النصين ، ثم رجح علماؤنا المثبت منهما ، ورجح الشافعي ما كان معلوما باعتبار الأصل وهو عدم استحقاق الميراث . وبيان الطلب المخلص من حيث الحكم أن التعارض إنما يقع للمدافعة بين الحكمين ، فإن كان الحكم الثابت بأحد النصين مدفوعا بالآخر لا محالة فهو التعارض حقيقة ، وإن أمكن إثبات حكم بكل واحد من النصين سوى الحكم الآخر لا تتحقق المدافعة فينتفي التعارض . وبيان ذلك في قوله تعالى * ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان ) * مع قوله تعالى : * ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) * فبين النصين تعارض من حيث الظاهر في يمين الغموس فإنها من كسب القلوب ، ولكنها غير معقودة لأنها لم تصادف محل عقد اليمين وهو الخبر الذي فيه رجاء الصدق ، ولكن انتفى هذا التعارض باعتبار الحكم فإن المؤاخذة المذكورة في قوله تعالى : * ( بما عقدتم الايمان ) * هي المؤاخذة بالكفارة في الدنيا ، وفي قوله تعالى : * ( بما كسبت قلوبكم ) * المؤاخذة بالعقوبة في الآخرة ، لأنه أطلق المؤاخذة فيها والمؤاخذة المطلقة تكون في دار الجزاء فإن الجزاء بوفاق العمل ، فأما في الدنيا فقد يبتلى المطيع ليكون تمحيصا لذنوبه وينعم على العاصي استدراجا ، فبهذا الطريق تبين أن الحكم الثابت في أحد النصين غير الحكم الثابت في الآخر ، وإذا انتفت المدافعة بين الحكمين ظهر المخلص عن التعارض . فأما المخلص بطريق الحال فبيانه في قوله تعالى : * ( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) * بالتخفيف في إحدى القراءتين وبالتشديد في الأخرى ، فبينهما تعارض في الظاهر ، لان حتى للغاية وبين امتداد الشئ إلى غاية وبين قصوره دونها منافاة ، والأطهار هو الاغتسال والطهر يكون بانقطاع الدم فبين امتداد حرمة القربان إلى الاغتسال وبين ثبوت حل القربان عند انقطاع الدم منافاة ، ولكن باعتبار الحال ينتفي هذا التعارض ، وهو أن تحمل القراءة